ساسي سالم الحاج

192

نقد الخطاب الاستشراقي

ومحاولتهم تعجيزه بطرح أسئلة فكرية وغيبيّة عليه . ولرأيت سخريتهم من الشعائر الإسلامية وتندّرهم من عبادات المسلمين ومعاملاتهم « 1 » . ثم تعدّت العداوة الجدال النظري والفكري إلى الفتنة بين المسلمين . فهذا « شاس بن قيس » كبير اليهود ، يمرّ على نفر من الأوس والخزرج اجتمعوا في مجلس يتبادلون الحديث في أخوّة ومحبة ، وقد أساءه ذلك وحزّ في قلبه وغاظه لما رأى المسلمين على ما هم عليه من الألفة والمحبة . فأمر شابّا من اليهود كان يجلس بالقرب منهم أن يذكر يوم « بعاث » - وهو اليوم الذي قاتل فيه الأوس والخزرج بعضهم بعضا - وأن ينشدهم بعض ما كانوا يقولونه من الأشعار لإذكاء العداوة القديمة ، فلمّا فعل ذلك ، تكلّم الأوس والخزرج ، وتنازعوا وتفاخروا حتى امتشقوا السلاح وكادوا يعيدون الحرب جذعة . وعندما سمع الرسول بذلك هرع إليهم قائلا : « يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم اللّه إلى الإسلام وأكرمكم به ، وقطع عنكم به أمر الجاهلية ، واستنقذكم من الكفر ، وألّف به بينكم » . فعرف الناس أنها فتنة أيقظها أحد اليهود الذي أراد لهم التفرقة والشقاق « 2 » . وهكذا عندما لج اليهود في الخصام ، ونابذوا الرسول وأتباعه العداء ، ونقضوا العهود والمواثيق التي أبرمها معهم ، اضطرّ الرسول في النهاية إلى معاملتهم بالمثل دفاعا عن نفسه وعقيدته وأصحابه . وقد تمثّل الرد الشرعي العسكري عليهم بعد معركة بدر حينما قطعوا مضمون العهد الذي أبرموه معه ، فاضطرّ الرسول إلى أن يجمعهم بسوق بني قينقاع ويخطب فيهم قائلا : « يا معشر يهود أسلموا قبل أن يوقع اللّه فيكم كمثل وقعة قريش ، فو اللّه إنكم لتعلمون أني رسول اللّه » فقالوا : « يا محمد لا يغرنّك من لقيت إنك قهرت قوما غمارا وإنّا واللّه أصحاب الحرب . ولئن قاتلتنا لتعلمنّ أنك لم تقاتل مثلنا » « 3 » .

--> ( 1 ) أ - النويري ، نهاية الأرب ، المرجع السابق ، جزء 16 ، ص 358 - 378 . ب - القرطبي ، الجامع ، المرجع السابق ، ج 4 ، ص 134 . ج - ابن هشام ، السيرة ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 29 - 34 . ( 2 ) النويري ، نهاية الأرب ، المرجع السابق ، ج 16 ، ص 379 . ( 3 ) أ - النويري ، المرجع السابق ، ج 17 ، ص 68 . ب - الطبري ، تاريخ الطبري ، المرجع السابق ، ج 3 ، ص 1360 .